شائع

تفسير سورة مريم صفحة 309 من الآيات (52 - 64) .. وفوائد الآيات

التفسير

52–وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً 

وَنَادَيْنَاهُ: ونادي الله تعالي ، نبيه موسى عليه السلام من ناحية جبل طور سيناء الأيمن: الذي يلي يمين موسى عليه السلام حينما أقبل من مدين .. 

–وقرَّبناه: وقربه ربه ، بمناجاته له حيث أسمعه الله كلامه قال تعالي ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، وهي الآية التي تؤكد وقوع الكلام حقيقةً، وفي هذا إثبات صفة الكلام لله كما يليق بجلاله وكماله.

53–وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً 

وأعطيناه من رحمتنا وإنعامنا عليه أخاه هارون عليه السلام نبيًّا؛ استجابة لدعائه حين سأل ربه ذلك .. وقال: ﴿ وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي[سورة طه: 32:29]

54–وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً 

واذكر -أيها الرسول- في هذا القرآن خبر هذا النبي العظيم الذي خرج منه الشعب العربي، أفضل الشعوب وأجلها، الذي منهم سيد ولد آدم محمد .

–إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ: لا يَعِدُ وعدًا إلا وَفَى بهذا الوعد، ولهذا لما وعد أباه بالصبر على ذبحه له قال له : " سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ " وقد مكن أباه من الذبح .. الذي هو أكبر مصيبة تصيب الإنسان. 

–ثم وصفه تعالي بالرسالة والنبوة، التي هي أكبر منن الله على عبده .. والرسالة بينه وبين الخلق، والنبوة بينه وبين ربه. 

55–وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً 

وكان إسماعيل عليه السلام يأمر قومه بإقامة الصلاة المتضمنة الإخلاص للمعبود ، وبالزكاة المتضمنة الإحسان إلى العبيد .. وكان عند ربه مرضيًّا ، بسبب امتثاله لمرضاة ربه، فرضي الله عنه، ورضي [هو] عن ربه.

56–وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً 

واذكر - أيها الرسول - في هذا القرآن الكريم خبر إدريس عليه السلام, إنه كان صِدِّيقًا: صادق في جميع أقواله وأفعاله ، مصدقا بجميع آيات ربه وكان نَبِيّاً: اصطفاه ربه لوحيه، واختاره لرسالته. فجمع الله له بين الصديقية، والنبوة.  

57–وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً 

ورفَعْنا ذِكْر ادريس عليه السلام .. ومنزلته بين المقربين ، فكان عالي الذكر ، عالي المنزلة ، وفي الحديث الصحيح أنّ النبي ﷺ التقى بإدريس في السماء الرابعة في ليلة الإسراء والمعراج، 

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أَوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلَى إِدْرِيسَ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ».

عُرف إدريس عليه السلام بكونه أوّل من خط بالقلم، فقد عاش إدريس بعد آدم وابنه شيث الذي وهبه الله له بعد قتل قابيل لأخيه هابيل، ونشر التوحيد ومكارم الأخلاق .. وكان أول من اتخذ السلاح وجاهد به بني قابيل المفسدين في بابل ثم انتقل إلى مصر. وكان أول نبي بعد آدم عليه السلام.

58–أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً ۩

أولئك المذكورون في هذه السورة ابتداءً بزكريا وختامًا بإدريس عليه السلام هم الذين أنعم الله عليهم بالنبوة من أبناء آدم عليه السلام .. ومن أبناء نوح عليه السلام ممن حملنا في السفينة ومن أبناء إبراهيم، وأبناء يعقوب عليهم السلام جميعاً.

وممَّن هدينا للإيمان ، وممن اجتبينا: اصطفينا للرسالة والنبُوَّة .. إذا تتلى عليهم آيات الرحمن المتضمنة لتوحيده وحججه ، خرُّوا ساجدين لله خضوعًا ، واستكانة ، وبكَوْا من خشيته ربهم.

59–فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً 

لما ذكر تعالى هؤلاء الأنبياء المخلصون ، ذكر من أتى بعدهم، وبدلوا ما أمروا به..فقال تعالي:-

–فجاء من بعد هؤلاء الأنبياء المصطفين أتباع سوء وضلال، ضيعوا الصلاة فلم يأتوا بها على الوجه المطلوب -وتهاونوا- وارتكبوا ما تشتهيه أنفسهم من المعاصي كالزنى، والربا، والعقوق، وشرب الخمر، فسوف يلقون غيا: شرًّا في جهنم وخيبة.

–والغي: قد فسره بعض المفسرين بأنه وادٍ في جهنم، بعيد القعر خبيث الطعم وشديد الحرارة يرتبط بوعيد شديد لمن أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وتستعيذ جهنم كل يوم من شدة حره

60–إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً 

لكن مَن تاب منهم مِن تقصيره وتفريطه وآمن بربه وعمل صالحًا تصديقًا لتوبته، وقد عزم عزما جازما أن لا يعاودها .. فأولئك يقبل الله توبتهم, ويدخلون الجنة مع المؤمنين ولا يُنقَصون شيئًا من أعمالهم الصالحة.

61–جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً 

جنات عدن: هي جنات إقامة واستقرار التي وعد الرحمن عباده الصالحين بالغيب .. بأن يدخلهم فيها وهم لم يروها فآمنوا بها، فوعْد الله بالجنة -وإن كان غيبًا- آت لا محالة..

 –وأضاف وعدها إلى اسمه الرَّحْمَنُ لأن فيها من الرحمة والإحسان ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر..

62–لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً 

–وجنات عدن: لا يسمعون فيها فضولًا, ولا كلامَ فحش، بل يسمعون سلام بعضهم على بعض ، وسلام الملائكة عليهم  والأقوال السالمة من كل عيب .. من ذكر لله تعالي والأحاديث الحسنة بين الإخوان ، وسماع خطاب الرحمن ويأتيهم ما يشتهون فيها من الطعام فيها صباحا ومساء

63–تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً 

هذه الجنة: الموصوفة بهذه الصفات هي التي نورثها من عبادنا من كان تقيا: ممتثلًا لأوامر ربه، مجتنبًا لنواهيه. كما قال تعالى: "وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ".

64–وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً 

استبطأ النبي  جبريل عليه السلام مرة في نزوله إليه فقال له: « لو تأتينا أكثر مما تأتينا » - تشوقا إليه، وتوحشا لفراقه، وليطمئن قلبه بنزوله- فأنزل الله تعالى على لسان جبريل: هذه الآية:" وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ ..

وقال جبريل لمحمد : إن الملائكة لا تتنزل من تلقاء أنفسها، وإنما تتنزّل بأمر ربك لنا، له ما بين أيدينا: يعلم ما أمامنا من أمور الآخرة، ويعلم ما خلفنا: من أمور الدنيا، ويعلم ما يكون بين ذلك في هذا الوقت إلى قيام الساعة فله علم ذلك جميعا.. 

-وما كان ربك نسيا: تاركا لك، فإذا تأخر نزولنا عن الوقت المعتاد، فلا يحزنك ذلك، واعلم أن الله هو الذي أراد ذلك، لما له من الحكمة فيه.

♦♦♦

مِنْ فَوَائِدِ الآيَات

–حاجة الداعية دومًا إلى أنصار يساعدونه في دعوته.

–إثبات صفة الكلام لله تعالى

صدق الوعد محمود، وهو من خلق النبيين والمرسلين، وضده وهو الخُلْق المذموم.

إن الملائكة رسل الله بالوحي لا تنزل على أحد من الأنبياء والرسل من البشر إلا بأمر الله.


  




حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-